الجاحظ

128

البخلاء

الخبز وكثرته كثير ربح . والناس يبخلون من قلّ عدد خبزه ، ورأوا أرض خوانه . وعلى أني أرى جماجم من يأكل معك أكثر من عدد خبزك . وأنت لو لم تتكلَّف ، ولم تحمل على مالك بإجادته والتكثير منه ، ثم أكلت وحدك ، لم يلمك الناس ، ولم يكترثوا لذلك منك ، ولم يقضوا عليك بالبخل ولا بالسخاء ، وعشت سليما موفورا ، وكنت كواحد من عرض الناس « 1 » . وأنت لو لم تنفق الحرائب « 2 » وتبذل المصون « 3 » ، إلا وأنت راغب في الذكر والشكر ، وإلا لتحرز الأجر ، فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء ، نرضى لك الغنيمة بالإياب ، ومن غنم الحمد والشكر ، بالسلامة من الذم واللوم . فزد في عدد خبزك شيئا ، فإنّ بتلك الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكرا وذلك الذم حمدا . أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالما ، لا لك ولا عليك ؟ فانظر في الأمر رحمك اللَّه ! قال : يا أبا عثمان ، أنت تخطئ ، وخطأ العاقل أبدا يكون عظيما ، وإن كان في العذر قليلا . لأنه إذا أخطأ أخطأ بنيقة وإحكام « 4 » . فعلى قدر التفكَّر والتكلَّف يبعد من الرشاد « 5 » ويذهب عن سبيل الصواب . وما أشك أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك . ولكن خف ما خوّفتك ، فإنه مخوف . بل الذي أصنع أدلّ على سخاء النفس بالمأكول ، وأدل على الاحتيال ليبالغوا ؛ لأن الخبز إذا كثر على الموائد ، ورّث ذلك النفس صدودا « 6 » ، وكل شيء من المأكول وغير المأكول ، إذا ملأ العين ، ملأ

--> « 1 » أي كنت كواحد من وسط الناس . « 2 » الحرائب : المال الذي يقوّم الرجل به امره . « 3 » تبذل المصون : تنفق كل ما هو هام ونفيس . « 4 » بنيقة وإحكام : بلباقة وحسن تصرّف . « 5 » الرشاد : العقل ، الفطنة . « 6 » صدودا : الامتناع عن طلب الطعام .